محمد بن جرير الطبري

182

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أهل الكفر من أعدائهم ، فيصبح المنافقون على ما أسروا في أنفسهم نادمين ، وعسى أن يقول الذين آمنوا حينئذ : هؤلاء الذين أقسموا بالله كذبا جهد أيمانهم إنهم لمعكم . وهي في مصاحف أهل العراق بالواو : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا وقرأ ذلك قراء الكوفيين : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بالواو ورفع يقول بالاستقبال والسلامة من الجوازم والنواصب . وتأويل من قرأ ذلك كذلك : فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم يندمون ، ويقول الذين آمنوا ؛ فيبتدئ " يقول " فيرفعها . وقراءتنا التي نحن عليها : وَيَقُولُ بإثبات الواو في : " ويقول " ، لأنها كذلك هي في مصاحفنا مصاحف أهل الشرق بالواو ، وبرفع " يقول " على الابتداء . فتأويل الكلام إذ كان القراءة عندنا على ما وصفنا : فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ، ويقول المؤمنون : أهؤلاء الذين حلفوا لنا بالله جهد أيمانهم كذبا إنهم لمعنا . يقول الله تعالى ذكره مخبرا عن حالهم عنده بنفاقهم وخبث أعمالهم : حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ يقول : ذهبت أعمالهم التي عملوها في الدنيا باطلا لا ثواب لها ولا أجر ، لأنهم عملوها على غير يقين منهم بأنها عليهم لله فرض واجب ولا على صحة إيمان بالله ورسوله ، وإنما كانوا يعملونها ليدفعوا المؤمنين بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم ، فأحبط الله أجرها إذ لم تكن له فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ يقول : فأصبح هؤلاء المنافقون عند مجيء أمر الله بإدالة المؤمنين على أهل الكفر قد وكسوا في شرائهم الدنيا بالآخرة ، وخابت صفقتهم وهلكوا . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله وبرسوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي صدقوا لله ورسوله ، وأقروا بما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ؛ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ يقول : من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه اليوم ، فيبدله ويغيره بدخوله في الكفر ، إما في اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من صنوف الكفر ، فلن يضر الله شيئا ، وسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ؛ يقول : فسوف يجيء الله بدلا منهم المؤمنين الذين لم يبدلوا ولم يغيروا ولم يرتدوا ، بقوم خير من الذين ارتدوا وبدلوا دينهم ، يحبهم الله ويحبون الله . وكان هذا الوعيد من الله لمن سبق في علمه أنه سيرتد بعد وفاة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وكذلك وعده من وعد من المؤمنين ما وعده في هذا الآية ، لمن سبق له في علمه أنه لا يبدل ولا يغير دينه ولا يرتد . فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم ارتد أقوام من أهل الوبر وبعض أهل المدر ، فأبدل الله المؤمنين بخير منهم كما قال تعالى ذكره ، ووفى للمؤمنين بوعده ، وأنفذ فيمن ارتد منهم وعيده . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عبد الله بن عياش ، عن أبي صخر ، عن محمد بن كعب : أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يوما وعمر أمير المدينة يومئذ ، فقال : يا أبا حمزة ، آية أسهرتني البارحة قال محمد : وما هي أيها الأمير ؟ قال : قول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ حتى بلغ : وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ فقال محمد : أيها الأمير ، إنما عنى الله بالذين آمنوا : الولاة من قريش ، من يرتد عن الحق ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين أتى الله بهم المؤمنين وأبدل المؤمنين مكان من ارتد منهم ، فقال بعضهم : هو أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا حفص بن غياث ، عن الفضل بن دلهم ، عن الحسن في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ قال : هذا والله أبو بكر وأصحابه حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن الفضل بن دلهم ، عن الحسن ، مثله . حدثنا هناد ، قال : ثنا عبدة بن سليمان ، عن جويبر ، عن سهل ، عن الحسن في قوله : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ قال : أبو بكر وأصحابه حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا